محمود سالم محمد
532
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وينسجم هذا المفهوم للشعر مع المفهوم الإسلامي الذي أراد للشعر أن يكون أداة بناء للمجتمع ، يشجع على التخلق بالأخلاق الفاضلة ، واعتناق المثل العليا ، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبصّر الشعراء المسلمين بمواطن القول الحق ، ويبعدهم عن الروح الجاهلية والتقاليد الفنية التي نشؤوا عليها ، ونظموا شعرهم من وحيها ، فهو أراد للشعر أن يكون فنا كريما ، ملتزما بقضايا الإنسان ، ينشد الحق والخير والمبادئ السامية ، لا ممتهنا ولا وسيلة تكسب ، وأراد للشاعر أن يكون فاضلا مؤمنا صادقا في فنه . إن دواعي اتساع المدح النبوي ومسوغاته في العصر المملوكي كثيرة ومتنوعة ، فالظروف السياسية والاجتماعية والدينية التي كانت سائدة آنذاك ، كانت كلها تدفع الشعراء إلى مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والإكثار من مدحه . فالصراع مع العدو الخارجي كان على أشده ، والغزاة أرادوا اقتلاع الوجود العربي ، وقد صبغ الأوروبيين عدوانهم بصبغة دينية ، فهاجموا الإسلام وانتقصوا من قدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فردّ الشعراء عليهم بالإشادة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومدحه وتقديمه على الناس جميعا والأنبياء الكرام ، وقدموا في قصائد مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صورا من البطولة والتضحية وأمثلة على التفاني في نصرة الحق ، ليحثوا المسلمين على مقاومة الغزاة ، ورد عدوانهم على الأرض والأمة وتراثها . وكذلك الأمر مع سياسة المماليك الداخلية ، فقد انفردوا بالسلطة ، ولم يقيموا العدالة الاجتماعية كما يجب أن تكون ، ولم يحافظوا للعرب حقهم في التقدير ، وهم أصحاب البلاد ، وهم الذين حملوا راية الإسلام ورسالته إلى العالم ، وهم أهل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاءت المدائح النبوية لتذكر المماليك بهذه الحقائق ولتحفز العرب على المطالبة بحقوقهم ، واستعادة مكانتهم وأمجادهم . وحفل العصر الملوكي بصور من المظالم التي عانى منها الناس كثيرا فجاءت المدائح